الثعلبي

115

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

وقال بعضهم : هو أوّل بيت وضع : بني في الأرض ، يروى أنّ علي بن الحسين سئل عن بدء الطوفان ، فقال : إنّ اللّه تعالى وضع تحت العرش بيتا وهو البيت المعمور الذي ذكره اللّه ، وقال للملائكة : طوفوا به ودعوا العرش ، فطافت الملائكة به وتركوا العرش ، وكان أهون عليهم ، ثم أمر اللّه الملائكة الذين يسكنون في الأرض أن يبنوا له في الأرض بيتا على مثاله وقدره ، فبنوا ، واسمه الضراح ، وأمر من في الأرض من خلقه أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور . وقيل : هو أول بيت بناه آدم في الأرض ، قاله ابن عباس . وقال الضحاك : إنّ أول بيت وضع فيه البركة وأحسن من الفردوس الأعلى . وروى سماك عن خالد بن عرعرة قال : قام رجل إلى علي ( رضي اللّه عنه ) فقال : ألا تخبرني عن البيت ؟ أهو أول بيت كان في الأرض ؟ قال : لا ، فأين كان قوم نوح وعاد وثمود ، ولكنه أول بيت مبارك وهدى وُضِعَ لِلنَّاسِ . وقيل : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ يحج إليه لله ، وروي ذلك عن ابن عباس أيضا ، وقيل : هو أول بيت جعل قبلة للناس . وقال الحسن والكلبي والفراء : معناه : إن أول مسجد ومتعبد وضع للناس يعبد اللّه فيه ، يدل عليه قوله : أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً « 1 » يعني مساجدهم وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ، وقوله : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ « 2 » يعني المساجد . إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه سئل عن أول مسجد وُضِعَ لِلنَّاسِ ، قال : « المسجد الحرام ثم بيت المقدس » [ 83 ] « 3 » ، وسئل : كم بينهما قال : أربعون عاما حيث ما أدركتك الصلاة فصلّ فثم سجد للذي ببكة . قال الضحاك والمدرج : هي مكة ، والعرب تعاقب بين الباء والميم ، فتقول : سبد رأسه وسمد ، واغبطت عليه الحمى واغمطت ، وضربة لازم ولازب . وقال ابن شهاب وضمرة بن ربيعة : بكة : المسجد والبيت ، ومكة : الحرم كله . وقال الآخرون : مكة اسم البلد كله ، وبكة موضع البيت والمطاف ، وسمّيت بكة لأن الناس يتباكون فيها : أي يزدحمون ، يبكي بعضهم بعضا ، ويصلي بعضهم بين يدي بعض ، ويمر بعضهم بين يدي بعض ، لا يصلح ذلك إلّا بمكة .

--> ( 1 ) سورة يونس : 87 . ( 2 ) سورة النور : 36 . ( 3 ) مسند أحمد : 5 / 167 .